رأي - 12 سبتمبر، 2020 - 14:20

التونسي .. و”الكمّامة”

بقلم : عبد الرؤوف بوفتح

بقلم عبد الرؤوف بوفتح تونس الآن tunisnow.tn تونس tunisnow.tnتونس الآن
بقلم عبد الرؤوف بوفتح تونس الآن tunisnow.tn تونس tunisnow.tnتونس الآن

قال لي صاحبي الماكر ، وهو يتحدث عن جائحة الكورونا ، واعادة تفشّيها من جديد وبنسق تصاعدي في صفوف الاهالي باغلب مُددنا التونسية ، وعدم التزام المجموعة الوطنية بالقواعد الصحية الوقائية المتخذة والمعلن عنها بصفة يومية ومتكررة من طرف اهل الاختصاص سواء عبر البيانات والندوات والنشرات اليومية لوزارة الصحة ، او عبر وسائل الاعلام المرئية والمسموعة وحتى المقروءة على اختلاف مشاربها واتجاهاتها..والتي لم تَلْق جميعها التجاوب المطلوب من طرف شرائح وفئات عديدة من التونسيين هنا ، وهناك..وصل الى حد اللامبالاة ، والاستهتار، والمخاطرة بحياتهم ، وبحياة محيطهم القريب والبعيد.
– قال لي :
لماذا لا تفرض السلط المسؤوولة على كل مواطن مخالف ، وخاصة فيما يتعلق بوجوب ارتداء ” الكمّامة” ،، غرامة مالية مرتفعة ، وبذلك يلتزم الجميع بالانضباط وتنفيذ الاجراءات الصحية المتخذة في هذا الشان بكل جدية ومسؤولية..وبالتالي تتقلص العدوى وسرعة انتشارها ومخاطرها.
– قلت له ضاحكا :
– لقد تم اتخاذ هذا الاجراء منذ بداية تفشّي هذا الوباء يا صديقي..لكن لا يمكن تنفيذه، بل يستحيل ذلك باية طريقة ، وبأي حال من الاحوال..
– اجابني في تهكم : ولماذا..انه اجراء فوريّ وسهل ، وله انعاكاسات ايجابية على الدولة والمواطن معا..!
– أدركت كلامه مقهقها :
اسمع يا صديقي ..
انت تعرف بالتأكيد ، ان الساهرين على تنفيذ هذا الاجراء هم اصحاب الشرطة اولا وأخيرا..وانهم حين يضبطون اي شخص بحالة تلبس ، لا يطلبون منه دفع المخالفة نقدا وعلى عين المكان ،، بل يُسلّمونه وصل اعلام بقيمة المخالفة ، وتأريخ استخلاصها لدى شبابيك اية قباضة مالية بمرجع النظر في فترة لا تتجاوز عادة خمسة عشرة يوما…
– اجابني صديقي ، في حماس :
صحيح كلامك ، وصحيح ايضا ان التونسي يتحمل عادة كل اساليب الردع والعقاب ، ولا يتحمل لحظة ان تمسّه في ماله وفي جيْبه ..واني ارى..ان هذه الطريقة تبقى الاجدى والاقوى لتقويم سلوك المتهورين وردعهم بصفة حازمة وجذرية.
اجبته في مكر ايضا وانا أبَيّن له معضلة هذه المسألة :
لقد حدثتك منذ البداية ياصديقي ، انه يصعب بل يستحيل تنفيذ هذا الامر ، حيث ان اي مخالف في بلادنا من بنزرت او بنقردان لن يدفع اية غرامة او خطية للدولة مهما كانت قيمتها ، ومهما تضاعف مبلغها عبر السنين..وهذا مشهود له به منذ عهود الجباية وثورة ” علي بن غذاهم”..والى يومنا هذا..
ثانيا..انه حين يبادر عون الامن بتحرير وصل المخالفة ، فانه يتولى أخذ هوية ” المُخالف” وكل المعطيات والبيانات الضرورية من خلال بطاقة تعريفه الوطنية..وهنا تكمن الأحْجِية المضحكة..
اذ اعرف بعض الاحصائيات التي تشير الى انه يوجد اكثر من 5 على كل 10 اشخاص من حاملي بطاقة التعريف الوطنية في الجمهورية التونسية عناوين سكناهم غير صحيحة..حيث تجد احدهم يقطن في الاصل بدشرة او قرية او معتمدية داخل الجمهورية كأغلب النازحين .. الا انه حين يذهب لاستخراج بطاقة الهوية ، فهو قد تمكن مسبقا من ” تدبير رأسه” بواسطة فخذ من افخاذ احد أعيان وأفراد عشيرته ومعارفه هنا وهناك للحصول واستخراج شهادة اقامة مشبوهة وغير نزيهة ودقيقة ، ومن خلالها يتم اعتمادها في بيانات بطاقة تعريفه..وتثبت مكان سَكَنه واقامته غير الاصلي : بالكبارية او اريانة او احياء : الزهور والملاسين وسيدي حسين والتضامن مثلا…وهكذا..فضلا عن ‘ تدبير رأسه ايضا” في الحصول على شهادة عمل مزورة..لا تعكس في الحقيقة طبيعة وظيفته الاصلية.
من هنا..قل لي بربك..كيف تستطيع الدولة ضبط عائداتها ومداخيلها من الجباية ، والخطايا المالية المقدرة بمئات الملايين سنويا ، ومصادر تعبئة مواردها وميزانيتها كل عام.. وكيف سوف يذهب اي مواطن سلطت عليه خطية مالية مثلا..تلقاء نفسه الى شبابيك اية مؤسسة مالية لاستخلاص ما عليه ، وهو مطمئن تماما.. لان البيانات التي اُُخذت منه لا أساس لها من الصحة..وانه يتجول ببطاقة هوية لا ينتبه الى خَوَرها.. حتى الجن الازرق.
حينها ضرب صاحبي ، كفّا بكفّ ، مرددا :
– لا حول ولا قوة الا بالله..وما الحل حينئذ يا رجل..؟
– نظرت الى عينيه الغائرتين في كنف الاستغراب و اليأس ، قائلا :
– افضل حل اراه يا صاحبي ، هو ان تخرج المتحدثة باسم وزارة الصحة في بلادنا ،، مبشرة الناس ، وهي تقول :
– لقد تقرر منع ارتداء الكمامة بالنسبة لكافة المواطنين.. بعد ان اتضح شرعا..ان الدولة لا يمكن لها السيطرة ، وليست لها علاقة لا من قريب ولا من بعيد بعزرائيل..
حتما .. في هذه الحالة فقط..سوف يهرع الجميع وبدون استثناء الى الحفاظ على حياتهم ، وحياة الاخرين ..وارتداء حتى عشر ” كمامات” في اليوم الواحد..
ان الخوف من الموت… اعظم وقعا على النفوس من الموت اصلا..
– أمّا قبل..
لقد ظل صاحبي الى جانبي، نتحدث طيلة ساعة عن سلوكيات التوانسة وشؤون خلق الله .. وهو لا يرتدي ” كمّامة”، بل قال لي منذ ايام ، انه لم يَشْتَرِ اي واحدة منها لانه لا يطيق ارتداءها .. !! / قف/ انتهى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

الفرح المنسي

اخفيت كثيرا من الفرح وانا طفل. اخفيته في تراب القلب كما تفعل سلاحف البحر حين تَبِيض في قاع…