رأي - 3 مارس، 2021

الكمامات المسمومة… أو “جاء يطبّها عماها”

بقلم علي الجليطي

بقلم علي الجليطي
أرجو أن لا يذهبن الظن بالبعض منكم بعيدا… فانا طبعا لا اقصد تلكم الكمامات التي أثارت جدلا واسعا بين مستغرب ومنتقد ومنفعل حينما أراد احد الوزراء التفاوض بشان اقتناءها مباشرة ودونما تروّ مع احد رجالات الأعمال… بل اقصد كمامات بلجيكا ذاك البلد الذي عاشرتُه وخبرتُ حنكة إدارته واشتهر بحوكمتها السليمة حتى أن إدارته كانت قادرة على تسيير البلاد لعدة أشهر رغم غياب الحكومة لعدم قدرة سياسييها على البت فيمن سيحكم البلاد. وهو شعب لا يقلّ فطنة وحكمة عمن حدثتكم عنه منذ أيام حينما عرّفته بدقة الساعة السويسرية وكيف طبعت ببصمتها على طريقة عمل الشعب السويسري وحياته وعاداته التي بجب أن نأخذ منها الدروس ونتعلم معنى الحضارة وأسباب التقدم الغربي بعيدا عن القشور والمظاهر الخلابة التي ينخدع بها البعض من شبابنا. وهو ما يقتضي ضرورة بناء شخصية الفرد والجماعة عندنا وتغيير وتطوير العقليات حتى ننهل من العلوم الصحيحة ونأخذ العبرة من العلوم الاجتماعية والإنسانية وتجارب المتقدمين علينا بما يؤهل مجتمعنا لمستقبل أفضل.
حديث الساعة السويسرية هو مجرد رمز واستعارة لنعرف قيمة ما يفعله غيرنا… وهو مجرد خبر ايجابي جيد استقدمته لحفز الهمم ولاستبطان أسباب التطور في عقلية شعبنا وحوكمة مسؤوليه. فهو المثال الذي يحتذي به. واليوم جاء دور الخبر السلبي السيئ…فليس كل ما في البلدان المتقدمة جدير بالإعجاب وبالتقليد والتوريد. هناك الجميل والقبيح، الطيب والفاسد…ومن ذلك ما سمعته وقرأته هذه الأيام عن الكمامات البلجيكية المغشوشة والمسمومة. واليكم الخبر قبل التعليق والذي تداولته الصحف البلجيكية ومن بينها صحيفة “لوسوار”.
يوم 24 افريل من السنة الماضية وفي ذروة انتشار الوباء اللعين كوفيد 19، قرر مجلس الأمن القومي البلجيكي التوزيع المجاني للكمامات على المواطنين، وتولى مسؤولو الدفاع طلب العروض والقيام بالمناقصة التي رست في النهاية على شركة “افروكس” من إمارة لكسمبورج، وتم طلب 15 مليون كمامة قابلة للغسيل وتعدّد الاستخدام بقيمة 32 مليون اورو ليجري توزيعها بدون مقابل على السكان عبر الصيدليات. ولكن أثناء القيام بهذا العمل الخيري تراكمت المشاكل المتأتية من الشركة بين تأخر في التزويد والأخطاء الواردة في الجذاذة الفنية للمنتوج ودرجة حرارة الغسيل غير المطابقة للمواصفات، فضلا عن ضبابية المرجع وشبهة المال الفاسد التي تحيط بالموضوع. فتم فتح بحث وتحقيق في القضية انتهى في هذه الأيام إلى سقوط الصفقة برمتها والدعوة إلى التعليق الفوري لاستعمال هذا النوع من الكمامات وتوجيه نداء المواطنين إلى التخلص منها… والسبب يا طويل العمر يكمن في تحذير المجلس الأعلى للصحة من المخاطر الصحية المحتملة لهذه الكمامات. وهو تحذير صارم لا جدال فيه أساسه الاشتباه في وجود جُسيمات نانونية من الفضة وثاني أوكسيد التيتانيوم التي يحتوي عليها قماش تلك الكمامات مما يتعين على الصيدليات الكف عن توزيعها وسحبها تماما. وطبعا لا نعلم كيف ستتخلص الادراة البلجيكية اليوم من المخزون المتبقي والمتراكم من هذه الكمامات المسمومة.
هل رأيتم كيف أن المثل ينطبق على هذه الحالة وكيف أن الحكومة البلجيكية أرادت أن تقف إلى جانب شعبها فكادت أن تكون الوقاية أخطر من العلاج، وكيف أن “السارق يغلب اللي يحاحي” وكيف أن المواطن الأوروبي في دولة ديمقراطية عريقة أيضا يمكن أن بكون ضحية الغش والتلاعب بصحته، وكيف أن النية الحسنة لا تكفي لصنع الفعل الطيب الحسن، حتى وان لم نتبين مدى مسؤولية الشركة المعنية التي طبعا أنكرت الجريمة واختفت وراء الحكومة التي صادقت على الصفقة.
ولقائل أن يقول أن في هذا المثل أيضا درس وعبرة من هذا البلد المتقدم الذي- ولئن أخطأ- فانه سرعان ما تدارك أمره وتعامل بمبدأ الشفافية وتمكنت مؤسساته من التدخل لوقف النزيف. ولذلك نطرح السؤال هل نحن بمنأى عن مثل هذه الصفقات سواء في الكمامات أو اللقاحات أو غيرها، دون ذكر علاج الوباء، فهو لا زال في طي الغيب حتى الآن؟ وهل نحن قادرون على تبين الغث من السمين؟ ولو وقعت الخطيئة لا قدر الله هل بإمكان مؤسسات الدولة التدخل في الوقت المناسب؟ ولا أسال حتى متى سيأتيننا هذا اللقاح بعد أن وصل فعلا إلى البلدان المتقدمة والمتخلفة ونحن نشاهد ونتوسل ونموت غيضا… ولا أريد أن اسأل – عند وصوله إلينا وفي حال وقوع ما لا يحمد عقباه- عمن يتحمل المسؤولية…الحمد لله أن الدولة شرّعت في هذا الاتجاه لتحمل العبء تنفيذا لشروط منتجي اللقاحات، ومع ذلك أرجو قبل هذا وبعده من الله العلي القدير أن يرفع عنا هذا الوباء ويكفي الدولة والمواطنين “الغلابة” شرّ القتال.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

أين نحن من الساعة السويسرية؟ 

  بقلم: علي الجليطي عشت في مطلع الثمانينات من القرن الماضي في جنيف بسويسرا. ورغم إني لم أس…