رأي - 21 أكتوبر، 2020 - 16:30

لا تُصَدِّقُوا كُلَّ شيء..

بقلم : عبد الرؤوف بوفتح.

كتب أحد الجنود السوريين رسالة ..وتم العثور عليها في ملابسه بعد استشهاده في الحرب السخيفة والقذرة الدائرة هناك ،،
يقول فيها بعد ان أضفتُ الى مرثيته ومناحته القليل من ملح الكلام لتزهر الجراح وتزداد الاوجاع اشتعالا ، ونتلذذ أكثر بغربتنا في اوطاننا :
إن مُتّ .. لا تُصدِّقوا كُلَّ شيء ، فإن قالت لكم أمّي في برنامجٍ تلفزيونيٍّ سخيف : كان يتمنَّى الشهادة …لا تصدقوها…! ( الوطن مقدس .. نعم . وواجبنا الدفاع عنه ، أيضا نعم.. لكن ، لم أتَمَنّ أن أموت في سبيله بمثل هذه الحماقة) ، وأنا مثلُكُم أُحب الحياة ولا أشتهي الرحيل ، لكنَّ المذيعة ذاتَ الحُمرةِ الفاقِعة التي طالما كنت اواظب على مشاهدتها في شهوة الذئب.. أقنَعَت أمِّي أن تقول عنِّي ذلك .
أمَّا صديقي ذاك الذي حَمّل صورةً لي على صفحته في الفايسبوك ، و كتبَ شِعراً وهو يتغنَّى بشهادتي .. لا تُصدِّقوه ، اذ ،، كم مرّة طلبتُ منه أن يقرضني مبلغاً بسيطاً من المال لكنَّه كان يتَهرَّب مني دائما …
أمَّا المسؤولون أصحاب ربَطات العُنق والعطور الباذخة..وخطب صناعة الوهم والخديعة .. فلا تُصدِّقوهم أبدًا وهم يَهتفون ويتغنون بروحي القِتاليَّة العاليَة وحُبِّي للوطن في حفل التَّأبِين ..
أتَرَونَ ملابسهم الأنيقَة المستوردة..
لقد اشتروها من سرقَة المَعُونات المُخَصَّصة لنا ، نحن أبناء الفُقراء الجائعين المهمشين المشردين المسحوقين في هذا البلد .
أمَّا أبناؤهم.. فقد ارسلوهم للدراسة واللهو والمجون خارج حدود الوطن ، أو تجدهم مُتَخَفِّين بِأَلبِسَة مُمَوّهة في صالونات الشاي الراقية والحانات الخاصة وملاهي الدعارة.
أمَّا سيّدي المُقدِّم فربما كانَ حُزنه صادقاً قليلاً ، فقد خسر برحيلي مبلغًا كنت أعطيه إياهُ على شكل هدايا أو ( رصيد شحن موبايل) كي آخذ بعضاً من حقوقي ..
وهؤلاء الذين يطلقون الرصاص في الهواء ، ترى من هم.. ؟!.
لم أرَهُم أبداً في أي معركة ..
كما أني لم أكنْ بطلاً كما يقولون ولا أعرف شيئا عن البطولة أو شعارات التطبيل والتَّزمير.. وهتافاتوالغربان..
انّ حب الوطن و البندقيةِ يااا سادتي كما النساء/ تستفزُّ الرجولةَ الحمقاء ..
فالشاعر معروف الرصافي قال :
لا يَخْدعنّك هتاف القوم بالوطن
فالقوم في السر، غير القوم في العلن..
إن مُتّ .. برصاصة طائشة رُبَّما ، أو بقذيفةٍ سقطت مصادفةً بقربي ، أو إنْ مُتّ قهراً .. لافرق ..
لا تُصدِّقُوا سوى تنهيدةَ أمِّي عندما تكون وحيدة ، وانكسارَ أبي ، ودَمعةً خفيفةً نبيلةً من حبيبةٍ لطالما وعدتُها أنْ أكونَ بخير ….!!
لقد صار وطني بعيدا جدا عَنّي قبل موتي.. مثل قلبي تماما.. يااا سادتي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

ورقات من قاع الذاكرة

في رحاب المدرسة (4) كان المعلمون في مطلع الستينات من القرن الماضي بالفعل حمّالين لرسالة نب…