رأي - 18 يناير، 2021

ورقات من قاع الذاكرة

… في رحاب المدرسة (3)
كانت المدرسة الابتدائية الحبيب بورقيبة بتطاوين في فترة الخمسينات والستينات حضنا دافئا للصغار وحصنا واقيا لهم من الأمراض حيث كان التلاميذ في مرات متتالية في السنة على موعد مع الممرض السيد “الطاهر الشناوي” الذي يطوف على الأقسام ويضع في خفة وحركة روتينية عجيبة مرهم “البنيسلين” في عيني كل تلميذ للتوقي من مرض “الرمد”.
وكانت المدرسة متمسكة بتربية النشء على احترام المواعيد والمواقيت إذ كلما وصل أحدهم متأخرا في الصباح يستقبله في الهواء عطرٌ مميز للسيد “عبد الله” مدير المدرسة وهو يلوح بمسطرة قصيرة من حديد. فينسى الطفل في لحظةٍ تلك النشوة التي تغمره بعد شرب الحليب الساخن ثم شم رائحة العطر… ويسرع بفرك أصابعه استعدادا لتلقي عشر ضربات مقسمة بالعدل والقسطاس على أطراف أصابع اليدين وهي مجمعة عموديا. وأترك لكم فرصة تخيل قساوة العقاب ولاسيما في فصول الشتاء حيث تتجمد الأصابع قبل أن تبلغها مسطرة سي “عبد الله”.

على اليمين تظهر المدرسة ووسطها المطعم “الكونتينة” مبنية بالخشب والمسكن الأبيض لعائلة يهودية
ورغم تلك الذكرى الحزينة فقد كانت مدرسة الحبيب بورقيبة محطة بارزة في رحلة الطفولة أذكر منها الشيء الكثير ولا سيما معلّم العربية في السنة الثانية المرحوم سيدي سالم العلوي حيث كنت ألقى لديه كل العطف والتشجيع. ومن أطرف ما استحضره من تلك السنة غيابي عن المدرسة لمدة أسبوعين بسبب مرض “الحصبة”. وطيلة فترة المرض كانت ترافقني الكوابيس المزعجة التي تقض مضجعي ليلا وأذكر بالخصوص معاناتي من تصبب العرق المتواصل الناتج عن الحرارة المرتفعة للجسم والشعور بالخوف من الحبات الحمراء الكثيرة التي كانت منتشرة فوق الجلد. ولم أعرف من الدواء طيلة أسبوعين سوى نوع من الماء القارص الذي كانت تسعى أمي بين الفينة والأخرى لإرغامي على شربه، فأُكرَه على سكبه في أمعائي حتى تكاد تندفق نحو الحلقوم فأحبسها بأنفاسي وأكتم غيضي. وأشد ما كان يزعجني يومئذ هو ما كانت تقوم به عمتي من محاولات لإيقاظي قصد معالجتي بطريقة هي أقرب إلى المباغتة على الجبين بشيء لافح ملتهب.. لم أعرف كنهه إلى اليوم. ويبدو أن الهدف كان من باب الاعتماد على عامل “الصدمة” لإيقاظي من الغيبوبة… ولا يهدأ لي بال حتى تقبل جدتي أو أمي على فراشي وتشرع في تمرير قبضتها الممتلئة بحبات الملح على كامل جسمي في حركة دائرية من الرأس إلى أخمص القدمين مرتلة بعض الآيات القرآنية ومرددة الأدعية بالشفاء العاجل ومتثائبة بين الحين والآخر بما يعبر عن تنويم الأرواح الخبيثة التي قد تسكن جسدي وطردها تماما لتذهب بدون رجعة.
وبعد مرور حوالي أسبوعين من نكد العلّة والإقامة الجبرية في المنزل، تماثلت إلى الشفاء وعدت إلى المدرسة وسرعان ما تأقلمت مع نظرائي في القسم واستوعبت الدروس التي سبقتني بفضل الرعاية وعبارات الدعم والتشجيع التي خصني بها سي سالم العلوي الذي كان مثالا للمعلم العطوف الحنون. والى اللقاء في حلقة جديدة من ذكريات الزمن الجميل.

بقلم علي الجليطي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

الكمامات المسمومة… أو “جاء يطبّها عماها”

بقلم علي الجليطي أرجو أن لا يذهبن الظن بالبعض منكم بعيدا… فانا طبعا لا اقصد تلكم الك…