رأي - 14 يناير، 2021

ورقات من قاع الذاكرة

من “غار” المؤدب… إلى رحاب المدرسة (1)
لا تحمل طيات الأربع أو الخمس سنوات الأولى من طفولتي في الخمسينات بريف تطاوين شيئا يذكر عدا ضجيج الأطفال وهم يرتلون القرآن تحت إمرة شقيقي الأكبر “سعد” الذي أصبح “مؤدبا” بفضل نجاحه في ختم حفظ القرآن الكريم. ولازالت ذكرى تلك المرحلة راسخة في البال إلى اليوم حيث كان الأطفال يتجمعون في ما يُعرف بـ “غار المحاريق”… وهو عبارة عن كهف تم نحته في سفح الربوة في الجهة الغربية من أملاك العائلة. ولم تتوفر لي معرفة بالوظيفة السابقة لهذا الغار والأرجح انه كان محل سكنى عائلة من أبناء “المحاريق” قبل أن يتم هجره وتعشش فيه طيور الليل والغربان.
ولما قرر الأخ الأكبر وعمره آنذاك حوالي ستة عشر عاما فتحَ كُتّابٍ لأطفال الحي، اختار ذاك الغار محلّا لتلقينهم القرآن. فأصبح هذا الغار بين ليلة وضحاها يضج بحركة الأطفال وهم يتنقلون بألواحهم المستطيلة وينظفون سطحها بمادة الطين قبل الخطّ فوقها بقصبة مشذّبة الرأس كقلم الحبر بعد غمسها في الصمغ المكوّن من علق صوف الخرفان. وكانت أصواتهم عند انطلاق حفظ السُوَر تغمر جوف المكان في نغمة موحدة لا نشاز فيها ولا توقف إلا بأمر المؤدب.
ولما ختمتُ حفظ الحزب السابع والخمسين بسورة “المُلك” والتي يقول فيه عزّ وجلّ “تبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ” كان لابد وفق التقليد المعهود من الاحتفال بهذه المناسبة حيث تم تزيين اللوح برسوم و ألوان زاهية. وانتظم بهذه المناسبة حفل في منزل العائلة دُعي إليه كل الأطفال للمشاركة في تناول أكلة “العَيْش بالمرق” وهي “عصيدة” بدقيق الشعير تفنّنت الوالدة في إعدادها منذ الضحى. فكان الختم فرصة لتكريم الطفل بحذقه حفظ القرآن وتلاوة الأحرف الهجائية عن ظهر قلب وكتابتها، ومناسبة للتعبير عن البهجة والفرح بصورة لا تقل أهمية عن الاحتفال بأعياد ميلاد الأطفال اليوم التي لم تكن في تلك الفترة ذات معنى بل ولم تكن معروفة أصلا في تقاليدنا وعاداتنا.
تعلّمت إذن على يد أخي المؤدب أصول الكتابة والقراءة قبل الدخول سنة 1959 إلى رحاب مدرسة الحبيب بورقيبة بتطاوين. فكان ذاك الرصيد المعرفي أكبر سند لي في تخطي حاجز الخوف. وقد قدّر لي أن أكون الاستثناء في العائلة بتسجيلي في تلك المدرسة الابتدائية الوحيدة ذات الأقسام الثلاث والتي احتلت قلب المدينة وتطورت على مدى سنوات الاستقلال مؤدية دورها الطلائعي في تربية النشء. فكانت مسلكا لتخريج أبناء الجهة من ظلام الأمية إلى نور العلم والمعرفة… والى اللقاء في حلقة قادمة.
                                                                                                 بقلم علي الجليطي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

الكمامات المسمومة… أو “جاء يطبّها عماها”

بقلم علي الجليطي أرجو أن لا يذهبن الظن بالبعض منكم بعيدا… فانا طبعا لا اقصد تلكم الك…