رأي - 9 جانفي، 2021 - 17:30

ورقات من قاع الذاكرة/ في تقاليد الأعراس والأعياد في مطلع الستينات بالجنوب التونسي (2)

بقلم: علي الجليطي
في تلك الليلة من أعراس صائفة مطلع الستينات التي حضرت تنشيطها مع أفراد العائلة، جلس المدعوون على الأرض فوق زرابي مبسوطة في شكل حلقة كبرى نصفها من الرجال والثاني من النساء تحت نور القمر وفوانيس “البريموس”. وفيما كان الجميع يستمع إلى وصلات من إبداعات الفرقة المتنقلة بالطبلة والمزمار وسط تلك الحلقة الكبيرة، يشارك البعض من الحاضرين في عمليات “الرمي” أو “الرمو” أو “الرشق” (حسب الجهات) وتتمثل وفق تقاليد الجنوب الشرقي في القيام بحركات جماعية تبدأ بوقوف مجموعة من الرجال في صف مستقيم داخل الحلقة مرتدين لباسهم التقليدي أي “الجبة” و”الكبوس” و”البلغة” و”الحولي” الأبيض، وفوقه “البرنوس” إن كان الطقس باردا. وتدوم كل عملية حوالي ربع ساعة أو أكثر يتنقل خلالها بين الوصلة والأخرى صف الرجال من ركن حلقة الحفل إلى آخر. ولا يفصل بينهما سوى نداء قائد الفرقة الساهرة على التنشيط الذي يتولى كل مرة الإشادة بصوت عال بنسَب وحسَب كل فرد من الواقفين في الصف بعد أن يكون قد تسلم منه ورقة نقدية بدينار أو أكثر قائلا بصوت عال: والثاني يا لّي سيدي فلان… يا لّي بن فلان… يا لّي بن فلان المشهور الفلتاني…زغرطو عليه يا نساء…” فتنطلق حناجر الحاضرات وخاصة من قريبات المحتفى به بالزغاريد…وسط سحابة عابرة من رائحة البخور ترافقها أحيانا صرخة بارود في الهواء تطلقها بندقية أحد المتطوعين…
وتتواصل السهرة بالانتقال إلى مجموعة جديدة من صف الرجال، وأحيانا تؤدي الفرقة المنشطة وصلات بأشكال أخرى فيما يسمى “سفرة” حيث تتحرك الفرقة جيئة وذهابا بين وسط الحفل وموقع أحد الجالسين الذي يمدّ قائد الفرقة – كلما وصل إليه- بورقة نقدية يضعها على رأسه فيتلقفها المعني ثم يختم جولته بتلك الصيحة التي تشيد كل مرة بعدد من أفراد عائلة صاحب “السفرة” بحسب الورقات النقدية التي يسلمها مصحوبة بزغردة النسوة… ويستمر الحفل على هذا النسق إلى ساعة متأخرة من الليل… والفرق في ذاك الزمن بين “الرمي” بهذه الصيغة الجنوبية و”الرشق” المعروف خاصة في جهات الشمال أن مجموع المال يذهب في الجنوب لفائدة لصاحب الفرقة فيما يستفيد به عند الآخرين في الشمال العريس ذاته، لذلك ترى هؤلاء يحررون في كراس اسم كل صديق”متبرع” والمبلغ الذي “رشقه” لفائدة العريس حتى يقوم بدوره في المستقبل بتقديم ما يقدر عليه كرد للجميل. فهو -وان كان عنوان تضامن وتآزر بين الأصدقاء- إلا انه يبقى بمثابة الدَيْن في رقبة العريس. أما بالنسبة “للرمي” في أعراس الجنوب فهو يسلم رأسا لقائد الفرقة الذي يتقاسمها مع أعضائها، وهو ريع يذهب إلى جيب منشّط “الفرح” وجماعته وليس صاحب العرس.

والى اللقاء في حلقة جديدة.

                                                                                                                                                                                                                                                                                            بقلم: علي الجليطي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

ورقات من قاع الذاكرة

… في رحاب المدرسة (3) كانت المدرسة الابتدائية الحبيب بورقيبة بتطاوين في فترة الخمسين…