رأي - 16 يناير، 2021

ورقات من قاع الذاكرة

من “غار” المؤدب… إلى رحاب المدرسة (2)
دخلتُ سنة 1959 المدرسة الابتدائية بتطاوين التي كان موقعها ولا يزال في الشارع الذي يحمل اسم الزعيم المجاهد الأكبر الحبيب بورقيبة. كانت تمثل رمزا من رموز ذلك العهد الذي آمن فيه الزعيم بان الجهاد الحقيقي والأكبر يتمثل في القضاء على ثالوث الجهل والجوع والمرض، بعد نجاح الجهاد الأصغر بطرد المستعمر ونيل الاستقلال. ويكون بالتالي جهاد التربية والتعليم رهانا لابد من كسبه حتى تنجح تونس في الارتقاء بأبنائها الذين كانوا في نظر الاستعمار مجرد “حفنة من غبار”، إلى مستوى الشعب الذي يكون فيه الفرد مواطنا متعلما صالحا واعيا بحقوقه وواجباته.

يظهر على يسار الصورة سور المدرسة سنة 1966
لقد كانت المدرسة والتعليم بشكل عام اكبر ورشة عمل في مطلع الاستقلال وكانت الدولة متحملة بكل شرف وأمانة مسؤولية تربية النشء. وهو مكسب للشعب التونسي لا يقدر بثمن في زمن كانت فيه أغلب الشعوب العربية آنذاك ترزح تحت نير الجهل والاستعمار.فمثلت مدرسة الحبيب بورقيبة بتطاوين- التي انطلقت منها وحيدا من بين كافة أفراد عائلتي- مرحلة ثرية تجمع بين حلاوة ذكريات الطفولة وبين مرارة المعاناة. فقد ظللت خلال الأربع سنوات الأولى مجبرا على النهوض باكرا للتوجه إلى المدرسة والعودة منها كل يوم لا يردّني برد قارس أو ظلام دامس. وكنت أقطع مسافة الست كيلومترات جيئة وذهابا على القدمين دون كلل أو ملل. وكلما بلغت قمة الجبل في منتصف الطريق متجها صباحا نحو وسط البلدة كنت أتسلى برائحة الفطائر والحلويات والخبز الطازج التي كانت تنبعث من رحم السوق وتسير عبر أمواج النسيم قبل أن تداعب الخيشوم فأتذكر عندئذ أن أمعائي لم تلجها سوى بضع قطع من شرائح التين المغمّسة في “البسيسة” التي أعدتها أمي فجر ذلك اليوم.
لكن مدرسة الحبيب بورقيبة كانت عبارة عن حضن دافئ لا تقل عطفا وحنانا عما أجده بين أحضان الأسرة إن لم يكن أكثر… ففي كل صباح من أيام الشتاء الباردة كانت المدرسة تستقبل أبناءها بما نسمّيه “كار حليب بالشكلاطة” فينزل ما في ذلك الكوب من سائل لذيذ “حرارة وسلاما” في جوف الصغار. وما تكاد تنتهي الحصة الصباحية من الدراسة حتي أنطلق مهرولا مع أصحابي نحو مطعم المدرسة لتناول أكلة دسمة عادة ما تكون صحنا من مرق “المرمز” (أي الحمص) أو اللوبيا وأحيانا مقرونة بالصلصة. وقد تواصل استمتاعي بهذه الحريرات على مدى السنوات الدراسية الثلاث الأولى قبل أن يتكرّم الوالد في السنوات الباقية بدعوتي إلى مشاركته وجبة الغذاء في دكان أحد أصدقائه من تجار القماش الهلالي (نسبة إلى مدينة قصر هلال المشهورة بمعامل النسيج). وتتمثل الوليمة كل يوم في خلط خبزة بحشْوٍ من صغار السمك الأزرق (صردينة بالطماطم). وكان كل مرة في الشهر، يدعوني إلى مطعم يسمى باسم صاحبه “مطعم الغدامسي” (نسبة الى مدينة غدامس الليبية) حيث يكرمني بصحن “كسكسي” أو”ملوخية” أو “مرمز”، وهو من أشهى ما يعدّه الطاهي ولا زالت إلى اليوم رائحة الطبخ الذكية تعبق في ذاكرة الخيشوم. أما الوالد وصاحب المطعم فرحمة الله عليهما.
والى اللقاء في حلقة أخرى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

الكمامات المسمومة… أو “جاء يطبّها عماها”

بقلم علي الجليطي أرجو أن لا يذهبن الظن بالبعض منكم بعيدا… فانا طبعا لا اقصد تلكم الك…