رأي - 7 جانفي، 2021 - 19:54

ورقات من قاع الذاكرة/ بقلم علي الجليطي: في تقاليد الأعراس والأعياد في مطلع الستينات بالجنوب التونسي

بعد أن أطلقت سنة 2020 تلك السنة اللعينة أنفاسها الأخيرة… وبعد دفنها في مقبرة التاريخ، شرعت معكم في رحلة ممتعة من ذلك الزمن الجميل في مطلع ستينات القرن الماضي. ونواصل اليوم السير معا لاستحضار شيء من عادات وتقاليد الأعراس والأعياد بالجنوب الشرقي التونسي… أذكر في تلك الصائفة أني مشيت مع أفراد الأسرة ليلة كاملة على الأقدام قبل الوصول مع شروق الشمس إلى موقع الفرح. قضيت النهار مرافقا “للعرّاسة” وأغلبهم من الشبان أصدقاء العريس المجتمعين تحت ظلال الزياتين بقيادة “وزير” معتمد من العريس يقوم بدور الآمر الناهي وتدور بين الحاضرين أكواب الشاي الأخضر والأحمر بصفة تكاد لا تنقطع.
ويكون يومي “الكسوة” و”الجحفة” من ابرز أيام العرس ففي اليوم الأول يتم الاحتفال بإلباس العروسين ما تم إعداده من كساء جديد وفي اليوم الثاني يتم استقدام العروس إلى دار زوجها عادة على ظهر جمل قبل الدخول بها ليلا. وطوال هذين اليومين يتابع فريق “العرّاسة” أي أصدقاء العريس أنواعا متعددة من الألعاب الفكرية واليدوية والرياضية، أذكر منها مثلا المبارزة البدنية على الطريقة اليابانية “السومو” ولكن برداء ما يسمى السروال العربي أي الفضفاض إلى غاية الركبتين، وكذلك مسابقة “تهريب” بعض أغراض العريس أو العروس من جهة إلى أخرى، ولعبة “البشمق” وهي عبارة عن تداول خفّين من الجلد الخفيف الأصفر بين مجموعة اللاعبين الجالسين في حلقة والذين يتسابقون بقلب الخفين في الهواء وحسب سقوطهما على الوجه أو القفا يكون اللعب كاسبا أو خاسرا مما يكلف هذا الأخير حينئذ ضرباتٍ على سطح الكف من الخصم بواسطة احد الخفين ولا ينجو من ذلك إلا بعفو من العريس.
ويتم تنشيط الليلة الأولى بواسطة الطبل والزكرة من قبل فريق يضم بين أربعة وستة من الرجال الزنوج المختصين في هذا المجال والمعروفين في الجهة وهم عادة من ” الفلالحة” أو”القماعنة” الذين لا يشق لهم غبار في مثل هذا الاختصاص وسنعود إليهم لاحقا بأكثر تفصيل، وربما أحيانا من قبل فرقة أخرى تُعرف في الجنوب باسم “عبيد غبنتن”. غير أن اختصاص هؤلاء القادمين من منطقة “القصبة” بسيدي مخلوف من ولاية مدنين هو عدم الاعتماد على نغم “الزكرة” بل فقط على طبلة مسطحة توضع فوق الأرض ويتم النقر فوقها فيما يقوم الفريق بجولات غنائية مع رقصات جماعية والتلويح بالأيادي اليمنى بمنديل مزركش بالأحمر والأبيض يتفرّدون به وهو من نفس النوع الذي يلفون به رؤوسهم كطابع يميزهم عن غيرهم…
والى اللقاء في ورقة قادمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

ورقات من قاع الذاكرة

… في رحاب المدرسة (3) كانت المدرسة الابتدائية الحبيب بورقيبة بتطاوين في فترة الخمسين…