رأي - 11 جانفي، 2021 - 12:20

ورقات من قاع الذاكرة/ في تقاليد الأعياد والمواسم الدينية في مطلع الستينات (3)

بقلم: علي الجليطي
سبق أن رأينا البعض مما كانت تتسم به تقاليد الأعراس في الجنوب التونسي في مطلع الستينات حيث كانت تشكل مناسبات للترفيه عن النفس وتوطيد عرى المودة بين الأهل والأقارب والأحباب والأجوار. ولا تضاهيها في هذا الدور الاجتماعي إلا مناسبات الأعياد والمواسم الدينية مثل المولد النبوي وعاشوراء أو رمضان وأيام عيد الفطر وعيد الأضحى. فالعيد الصغير كما نسميه يسبقه رمضان المبارك المعطر بلياليه وسهراته الحلوة حيث تجتمع الأسرة حتما عند آذان المغرب حول مائدة الإفطار التي تكون دوما منعشة بتنوعها ونكهتها مهما كان المعروض من الأكل متواضعا وغالبا ما يعتمد على مادة الكسكسي وأحيانا عجين المقرونة بأنواعها. ثم تتواصل السهرة مع الأهل والأقارب حول محورين رئيسين الأول هو”حمودة معالي والحاج كلوف” في تمثيليات الكوميديا عبر أثير الإذاعة التونسية، والثاني هو “كانون” الشاي وخرافات الجدة ونوادر الحاضرين وفكاهاتهم.
ولا أنسى في السنوات الأولى من الطفولة – أي قبل الانتقال إلى أسلوب الحياة الحضرية في المدينة- رائحة الحطب في المطبخ والدخان يتصاعد منه والوالدة بصدد إعداد السحور منذ الثالثة فجرا والمتكون عادة من “العيش” أي عصيدة طحين الشعير التي توضع في قصعة من الخشب وحولها “بحيرة” من زيت الزيتون وفوقها “ربوة” من السكر. وأكون آخر من يلتحق بأفراد العائلة زحفا بسبب ثقل النوم الذي يشدني شدا نحو الفراش ولا سيما في ليالي الشتاء الباردة. ولكن ما أن يحل العيد حتى تنفرج أسارير الوجوه فرحا ولا سيما عند عودة الكبار من صلاة العيد في الجامع وكلهم يرفلون في جًبب بيضاء ناصعة فيهرع الأطفال لاستقبالهم بلباسهم الجديد قد يكون مجرد قميص أو سروال وربما حذاء صيفي حتى وان كان العيد في عز الشتاء. ويشرع الجميع في التنقل بين عائلة وأخرى لتبادل تهاني العيد فيما ينغمس الأطفال في تبادل لُعبهم الجديدة المثيرة التي سرعان ما يتم استهلاكها ولا يدوم استعمالها أسبوعا في أكثر الحالات.
أما في عيد الأضحى أي العيد الكبير، فان محور الاهتمام يكون مرتكزا على الخروف الذي عادة ما يحل ركبه قبل عدة أسابيع من الموعد أو حتى بضعة أشهر لتسمينه أو اختياره ضمن القطيع وإعداده كما يجب لمثل هذه المناسبة المقدسة. إنها فرحة كبيرة يستعد لها الجميع الغني والفقير بدون استثناء. وعلى أية حال، لم أر في طفولتي عائلة بدون أضحية. وكالعادة تنقسم الأدوار في ذاك اليوم بين النساء والرجال. ففيما يختص هؤلاء يوم العيد بالذبح والسلخ والتنقل بين مختلف المساكن لتناول ما تم إعداده من مأكولات، والعمل في صبيحة اليوم الثاني على تقطيع لحم الأضحية، تنهمك الإناث أول أيام العيد في تنظيف الأمعاء وعمليات الطبخ قبل أن تتولي في اليوم الثاني مهمة “تقديد” ما بقي من اللحم (أي تجفيف قطعه تحت أشعة الشمس) لاستعمال “القديد” خلال الأشهر اللاحقة بما يوفر فرصة لاستهلاك اللحم مرة كل شهر في انتظار حلول العيد المقبل وأضحية جديدة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

ورقات من قاع الذاكرة

… في رحاب المدرسة (3) كانت المدرسة الابتدائية الحبيب بورقيبة بتطاوين في فترة الخمسين…